السفارة التونسية ببريطانيا تكرّم الطاهر الحداد

أعادت السفارة التونسية ببريطانيا تكريم كاتبها الطاهر الحداد بعد أن ترجم كتابه إلى الإنجليزية، وهذا من خلال تنظيم ندوة حول الكاتب وكتابه بنادي اوكسفورد اند كمردج بلندن، تحت عنوان "الطاهر الحداد رائد حقوق المرأة في تونس".

وقد حضر لهذه المناسبة عدد من السفراء العرب ببريطانيا ومجموعة من الديبلوماسيين وممثلين عن منظمات، وإعلاميين، وعدد من الأكادميين.

وقد افتتحت هذه الندوة السفيرة التونسية حميدة مرابط العبيدي بكلمة رحبت من خلالها بالضيوف،ثم شكرت بشكل خاص المحاضرين وهم الدكتور دانيال نيومان والدكتورة رونق حسني اللذان حصلا على تكريم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي سنة 2008 بمناسبة عملهما الممتاز في مجال الدراسات الإسلامية.كما أنهما اشتركا في تأليف كتاب "النساء المسلمات في القانون والمجتمع" والذي هو ترجمة لكتاب"امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد.

كما أشارت السفيرة التونسية في كلمتها الى أن احترام حقوق الإنسان له جذور وتاريخ عميق في تونس حيث القناعة بأن حقوق الإنسان تشمل الرجال والنساء على حد سواء، وهذا ما جعل حقوق المرأة جزءا من التقاليد.

كما استعرضت حميدة مرابط العبيدي في كلمتها أهم المراحل التي مر بها مجال حقوق المرأة في تونس، ودور الطاهر الحداد في انطلاق مسيرة تحرير المرأة،ثم القوانين التي أصدرت منذ 1956 والتغييرات التي عرفتها مجلة الأحوال الشخصية.

وأكدت السفيرة أن القرارات السياسية التي اتخذت في العقدين الأخيرين في مجال حقوق المرأة والمساواة جاءت لتؤكد عزم تونس على مواصلة المسيرة التي بدأها الحداد في بداية القرن الماضي حيث تمّ إصدار العديد من التشريعات في عهد سيادة الرئيس زين العابدين بن علي لمزيد ترسيخ حقوق المرأة وضمان كرامتها،ومساهمتها جنبا الى جنب مع الرجل لبناء مجتمع متوازن.

كما أشارت السفيرة الى اهتمام ليلى بن علي حرم رئيس الجمهورية التونسية بالمرأة اهتماما خاصا، وهذا ما دفع لاختيارها لمنصب رئيسة منظمة المرأة العربية الذي تحتضنه تونس من 2009 الى 2011 والذي سينعقد مؤتمره القادم في شهر أكتوبر/تشرين الأول سنة 2010.

وبدأ الندوة الدكتور مكرم خوري مشوول، وهو أكاديمي بريطاني من أصول فلسطينية يدرس بجامعتي كمبردج وهرتفوردشير، الذي شكر السفارة التونسية ببريطانيا وقدم الضيفين المحاضرين وقدم الطاهر الحداد وكتابه.

وفي مداخلته استعرض الدكتور دانييل نيومان الذي يترأس القسم العربي بجامعة دارم مسيرة الحركات الفكرية الداعية لتحرير المرأة في العالم العربي من رفاعة الطهطاوي الى قاسم أمين ورأي بيرم التونسي في المرأة الغربية في عصره.

وأكد الدكتور نتيومان أنه بعد دراسته لكل هؤلاء استخلص أن أول من دعا فعليا لتحرير المرأة والمساواة بما للمفهوم المعاصر من مقاييس هو الطاهر الحداد.وهكذا تكون مسيرة تحرير المرأة في العالم العربي قد بدأت فعليا من تونس.وأضاف الدكتور أن كتاب الطاهر الحداد يعتبر الى جانب أنه عمل روائي قيم اضافة علمية .

أما الدكتورة رونق حسني وهي أكاديمية بريطانية من جذور عراقية فقد بدأت مداخلتها بمقولة طه حسين الشهيرة عن الطاهر الحداد وهي"لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين"ثم استعرضت محتوى الكتاب والأفكار الراديكالية التي يحملها.

وآراء الكاتب المعتدلة في مجال الدين والقانون والطلاق والزواج وحقوق المرأة في عصره.

وختمت الندوة بتسليم السفيرة التونسية كأسين في تكريم للضيفين دانيال نيومان ورونق حسني عن ترجمتهما لكتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع " وعملهما على إبراز قيمة الحداد عالميا.

يذكر أن الطاهر الحداد من رواد عصر النهضة، ولد عام 1899، ودرس في كتاتيب تونس العاصمة، وتخرج من جامعتها "الزيتونة"، وعمل ماسك دفاتر في أحد دكاكين سوق العطّارين ثم كاتبا بالجمعيّة الخيريّة.

نشر العديد من المقالات الجريئة في الصحف التونسية كجريدة "الأمة" و"مرشد الأمة" و"إفريقيا". كان من الرواد المبكرين للحركة النقابية، وأصدر كتاب "العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية" عام 1927، الذي صادرته إدارة الأمن فور صدوره.

كفّرته الجهات الرجعية والأصولية ردا على نشر كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" عام 1930، واتهمته بالإلحاد والزندقة وجرَّدته من شهادته العلمية وطالبت بمنعه من حق الزواج وبإخراجه من الملة، وتم منعه من العمل. كما قامت الزيتونة بنشر كتاب يعارضه بعنوان "الحِداد على امرأة الحدّاد"؛ إضافة لكتاب آخر تم نشره بعنوان "سيف الحق على من لا يرى الحق".

تمسك الحداد بموقفه وآرائه وواصل نضاله، رغم عزلته، فكتب كتابا عن إصلاح التعليم الزيتوني، وكتابين آخرين ضمنهما أشعاره وخواطره التي لم تر النور إلا بعد وفاته، وبعد استقلال تونس بسنوات.

مات الحداد في ريعان شبابه يوم 7 ديسمبر /كانون الأول سنة 1935. لكن الشعب التونسي ونخبته وسلطته كانوا أوفياء لهذا الطليعي الذي ضحى من أجلهم ومن أجل نهضتهم، فقاموا بتكريمه على أكثر من صعيد، كان أهمها تضمين مجلة الأحوال الشخصية، التي صدرت عام 1956، الكثير من أفكار واقتراحات الطاهر الحداد.

وعنه قال طه حسين: "لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين".