حرب المصالح

القرن الأفريقي بوابة الأمن.. والإرهابالقرن الأفريقي هو ذلك القرن الناتئ في شرق القارة الأفريقية والذي يضم كلاً من الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وإرتريا، ويلحق به السودان، وكينيا، وأوغندا تأثراً كثيراً. وهو وبهذا التحديد قرن إسلامي الهوية للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه، والتي تتشكل في غالبها من قبائل الأرومو، والجالا في إثيوبيا، والصوماليين في الصومال وجيبوتي، وأوجادين بإثيوبيا، وإينفدي بكينيا، والعفر في جيبوتي وإرتريا وأثيوبيا والبجه الموزعين بين إرتريا وشرق السودان، ومن عداهم من القبائل والمجموعات الإسلامية الأخرى من العرقيات المختلفة هنا وهنالك والتي تضم نسباً متفاوتة من المسلمين كالأمهرا، وغيرهم.

بهذا يعرّف د. جلال الدين محمد صالح -الأكاديمي الإرتيري والمشرف العلمي في كلية لندن المفتوحة للدراسات الإسلامية بلندن- القرن الافريقي في بحث معنون "القرن الأفريقي:أهميته الاستراتيجية وصراعاته الداخلية"، معتبرا أن القرن الأفريقي يكتسب أهميته الاستراتيجية من كون دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية؛ ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة.

كما أنها تُعدّ ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا، أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي.

في السنوات الأخيرة –يضيف الباحث- وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وأيضا بعد استهداف سفارتي أمريكا عام 1998 في كل من كينيا وتنزانيا برزت أهمية منطقة القرن الأفريقي بشكل أكبر في حرب أمريكا المعلنة على الإرهاب الدولي؛ حيث زارها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، والجنرال تومي فرانكس، والجنرال جون ساتلر قائد القوات الأمريكية في القرن الأفريقي، ويرابط على أرضها أكثر من 1800 جندي أمريكي، كما ترسو على واحد من موانئها ـ وهو ميناء جيبوتي ـ حاملة الطائرات "مونت وايتني"، وتجوب سواحلها بعض السفن الموكلة بمراقبة كل سواحل القرن الأفريقي.

وبالنسبة للعرب، فقد ارتبطت جزيرة العرب بالقرن الأفريقي منذ وقت مبكر من فترات التاريخ؛ حيث حكم أبرهة الحبشي اليمن، وسعى في خراب الكعبة، وكما في الحديث أن هدم الكعبة سيكون على يد رجل من الحبشة ومن قَبْل ذلك هاجرت قبائل حبشات العرب الجنوبية إلى المنطقة، وأنشأت دولة الحبشة ناقلة معها ثقافتها وحضارتها.. كان ذلك في عام 1000 قبل الميلاد، أو عام 600 قبل الميلاد.

ثم لاحقاً توثقت صلاة قريش الاقتصادية بالمنطقة؛ حيث كانت تردها قوافلهم التجارية من قَبل البعثة قاصدة بلاد الحبشة.

وبعد البعثة النبوية أمّها المستضعفون من الصحابة فراراً من أذى قريش إلى "ملك عادل لا يظلم عنده أحد"، ومنذ ذلك الحين والوجود الإسلامي في القرن الأفريقي يتنامى ويتعاظم شأنه إلى أن صارت له شوكة وغلبة.

وفي العصور الحديثة زحف الاستعمار الغربي على القرن الأفريقي غزوا واستيطاناً واستعماراً؛ حيث احتل الإيطاليون الصومال وإرتريا، والفرنسيون جيبوتي والإنجليز كينيا والسودان، لكن ووجهوا بحركات مقاومة.

وبعد تصفية الوجود الاستعماري، وتحرر دول القرن الأفريقي من قيوده دخلت المنطقة في إشكاليات داخلية ذات أبعاد متعددة: عرقية، وثقافية، وسياسية.

كان القرن الأفريقي في فترة الحرب الباردة واحداً من أشد مناطق العالم التهاباً واشتعالاً؛ حيث حط الروس رحالهم في الصومال في عهد "زياد بري"، ثم بعد سقوط العرش الإمبراطوري سنة 1974، ومجيء العسكر بقيادة الجنرال أمان عندوم ثم منجستوهيلي ماريم، ترك السوفييت مقديشو، ورحلوا عنها إلى أديس أبابا ليحلوا محل الأمريكان حلفاء الإمبراطور المعزول هيلي سلاسي، وليدعموا النظام الماركسي بكل ما لديهم من عتاد عسكري، وخبرة أمنية حتى يتمكن من إخماد التمرد في كل من أوجادين وإرتريا.

إن الصراع الشديد بين المعسكرين على منطقة القرن الافريقي يعطي فكرة عن الأهمية القصوى للمنطقة. ويمكن القول إنه في ظل هزيمة المعسكر الاشتراكي وحالة الغياب العربي، وضعف تأثير الدول العربية المجاورة للمنطقة والمعنية مباشرة بوضعها، شهدنا في السنوات الأخيرة تفردا أمريكيا –وغربيا بدرجة ثانية- بتدبير شؤون القرن الافريقي وإدارتها، رغم ما تشهده هذه الادارة من تعثر وفشل في بسط الاستقرار.
كل ذلك يبين أن منطقة القرن الإفريقي تحوز أهمية خاصة لدى الدول الكبرى نظراً لموقعها الإستراتيجي، حيث تكتسب أهمية حيوية من الناحية الجغرافية، نظراً لأن دولها تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية. ومن ثم فإن دول القرن الافريقي تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة. كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي. ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، خاصة بعد استخراج البترول في السودان ودول أخرى.
ورصد عدد من الباحثين شاركوا في ندوة علمية نظمها "مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية" في مايو 2009 جملة من التحولات شهدتها منطقة القرن الإفريقي خلال الفترة من 2000 إلى 2008، فقضايا الصراع الإقليمي مازالت في معظم دولها ساخنة، ومعظمها تصب في تدعيم وتعزيز الدور الأمريكي في المنطقة، ولاشك في أن السيطرة على القرن الإفريقي تمثل نجاحاً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في المنطقة، ونقلة استراتيجية على المحيط الهندي من شرق القارة الإفريقية وخليج عدن والبحر الأحمر بغية التحكم في خطوط الملاحة البحرية في المنطقة.

ومن خلاصات الندوة المذكورة أيضا أنه لا يمكن فصل القرن الإفريقي والبحر الأحمر عن مجمل المصالح الأمريكية في المنطقة، وذلك لأنهما يمثلان أهمية خاصة للإستراتيجية الأمريكية في ضوء جملة من الاعتبارات تتمثل في سعي الولايات المتحدة الدؤوب إلى السيطرة على البحر الأحمر، وبصفة خاصة مدخله الجنوبي نسبةً لأهميته الاستراتيجية وارتباطه المباشر بمنطقة الخليج العربي. ثم ضرورة ضمان استمرار تأمين الخطوط الملاحية التي يمر بها النفط عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

أيضا يرد في الاعتبار ما تشكله المنطقة من أهمية استراتيجية في مواجهة التجمع الأوروبي، سعياً إلى انفراد الولايات المتحدة بالدور الأكثر فاعلية في السيطرة على النفط وطرق نقله.

ويرتبط بذلك حرص الولايات المتحدة على استمرار دورها الفاعل في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والخليج بصفة خاصة، مع العمل على إعادة ترتيب المنطقة بما يتماشى وينسجم مع المصالح الأمريكية الإستراتيجية.

كما أن القرن الإفريقي والبحر الأحمر يشكلان محوراً أساسياً لأي تدخل عسكري محتمل في حالة تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة وما حولها.

وتوجد مصالح استراتيجية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في القرن الإفريقي والبحر الأحمر على أساس التزام الأولى بضمان أمن الثانية في مواجهة أي احتمالات مستقبلية لفرض قيود خاصة على مضايق البحر أو الملاحة فيه.

ولقد احتل القرن الإفريقي موقعاً مهماً في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية ؛ فهو من 4 مناطق تدخل في نطاق اهتمام القيادة المركزية الأمريكية، وهي مسؤولة عن الأمن في المنطقة الواقعة من كازاخستان شمالاً وكينيا جنوباً، ومن مصر غرباً حتى باكستان شرقاً، وكانت تلك القيادة تضم 4 مناطق أساسية هي: شبه الجزيرة العربية والعراق، ودول الخليج العربي إضافة إلى العراق، ثم منقطة شمال البحر الأحمر، وتضم مصر والأردن، ثم منطقة القرن الإفريقي، وتضم جيبوتي وأثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا والسودان وجزر سيشل، ثم منطقة جنوب ووسط آسيا، وتضم أفغانستان وإيران وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية "كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان".

وحسب بعض الباحثين فقد قامت إستراتيجية القيادة المركزية الأمريكية على 3 عناصر أساسية تتمثل في:

– القتال لحماية وتنشيط مصالح واشنطن في المنطقة المعنية؛ لاحتواء أي تدفق غير منضبط لمصادر الطاقة بها، وفي مقدمتها النفط، والحفاظ على استقرار المنطقة؛ وهو ما يتطلب التلويح باستخدام القوة، والبقاء في وضع الاستعداد، والاحتفاظ بقوات لكسب أي حرب بشكل حاسم على كافة مستويات الصراع.

– التدخل للحفاظ على شبكة التحالفات القائمة، وتطوير شبكة المعلومات، خاصة في مجال الاستخبارات لمقاومة مخاطر أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، مع الاحتفاظ بعلاقات ودية مع قادة المنطقة العسكريين والسياسيين على حد سواء.

إن الاهتمام الأمريكي بالقرن الإفريقي ليس وليد اللحظة وإنما هو اهتمام قديم يرجع إلى الأهمية الإستراتيجية للمنطقة.

صحيح أن هذا الاهتمام زاد في الآونة الأخيرة بدليل التحركات العسكرية الأمريكية، إلا أن الوجود كان سابقاً على ذلك؛ وهو ما يعني أن الوجود ليس فقط من أجل توفير قاعدة إمداد خلفية للقوات العاملة في الخليج، وإنما يهدف أيضاً إلى قمع القوى المناوئة.

لقد خضعت السياسة الامريكية تجاه افريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لعملية تقويم وإعادة ترتيبها لأولوياتها وأهدافها. ومن ثم تأتي السياسة الأمريكية بمدلولها الاستراتيجي لخلق توازنات بواسطة بعض دول القرن الإفريقي عبر ربطها بتحالفات وشراكات لحماية وتأمين المصالح الأمريكية .

وبغية بناء قاعدة لنفوذها وتأسيس لوضع جديد يفضي الى بنية جديدة من التوازنات داخل القارة عملت الولايات المتحدة على تكثيف وجودها العسكري في إفريقيا حيث شكلت قيادة فرعية ضمن القيادة الوسطى الأمريكية الممتدة من القرن الإفريقي لآسيا الوسطى، بغرض تنسيق عمليات "مكافحة الإرهاب" في اليمن وجيبوتي وأرتيريا والصومال والسودان وإثيوبيا وكينيا، أي حول الدائرة الجنوبية للبحر الأحمر. وتسمى هذه القيادة الفرعية قوة التدخل المشتركة في القرن الإفريقي ومقرها جيبوتي.

وتعد جيبوتي القاعدة الأمريكية الإقليمية الرئيسية في القرن الإفريقي، وبالرغم من أن جيبوتي محسوبة على فرنسا؛ حيث يوجد بها أكبر قاعدة فرنسية في المنطقة، إلاّ أن الولايات المتحدة عملت على تكثيف الوجود العسكري بها بغية مزاحمة الوجود الفرنسي في المنطقة، ولعل سبب اختيارها جيبوتي يرجع لعدة اعتبارات من أهمها: موقع جيبوتي بالقرب من اليمن ومضيق باب المندب، ثم صلاحية موانيها ومطاراتها للاستخدام في نقل العتاد الحربي إلى منطقة الخليج ومناطق أخرى من العالم.

وينسجم الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الإفريقي مع الاهتمام الأمريكي بصفته أهم موقع استراتيجي بالنسبة لهما من الناحية الأمنية منذ ولادة الدولة العبرية في الشـرق الأوســط، وتعد إثيوبيــا الحليــف الأول لاستـراتيجيـة إســـرائيل فـي المنطـقة، وبـوابتهـا الطبيعـية إلى بقية دول القرن الإفريقي. ويأتي الاهتمام الإسرائييل بإثيوبيا للحيلولة دون أن يكون البحر الأحمر بحراً عربياً خالصاً؛ لذا استمرت إسرائيل منذ عام 1949 في تقديم مساعداتها العسكرية لجميع حكام إثيوبيا، وكان لإسرائيل قواعد عسكرية في الجزر الإرترية التي استأجرتها من إثيوبيا حينما كانت إرتريا جزءاً من إثيوبيا.

إن الوجود الاسرائيلي في القرن الإفريقي مازال قوياً ومستمراً، وانه بشكل أو آخر يعمل في توظيف صراعات القرن الإفريقي العرقية، ونزاعاته الحدودية.

من جانب آخر تعمل الولايات المتحدة من خلال سياستها تجاه دول القرن الإفريقي إلى الحد من التغلغل الصيني في تلك الدول، إذ تحصل الصين على 25 بالمئة من إجمالي وارداتها النفطية من القارة الإفريقية. وبعد اكتشاف النفط في السودان دخلت الصين وبقوة في مجال استخراج وإنتاج النفط السوداني، وأصبحت فيما بعد أكبر منتج ومستورد للبترول السوداني. ولم يقتصر التعاون الصيني السوداني على قطاع النفط فقط، ولكنه شمل أيضاً مجالات أخرى مثل الإستثمار في قطاع الزراعة وقطاعات أخرى، وقد شكل الصين أكبر مستثمر أجنبي في السودان، كما تعتبر الصين واحدة من أهم الشركاء التجاريين لدول القرن الإفريقي.

وتدخل السودان وكينيا ضمن أكبر عشرة أسواق إفريقية تستوعب الصادرات الصينية للقارة، وكذلك تحتل السودان المرتبة الثالثة ضمن أكبر عشر دول إفريقية مصدرة للصين.

وقد شجعت الصين محاولات تحقيق تنمية اقتصادية داخل منطقة القرن الإفريقي، وذلك من خلال تقديم قروض منخفضة الفائدة، وإعفاء بعض الدول من الديون، ووضع تعريفات جمركية تفصيلية، وإقامة مشروعات لتحسين البنية الأساسية مثل الطرق والكباري ومحطات المياه والكهرباء وشبكات الري والاتصالات.

والأهم من كل ذلك عدم ندخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، كانت الصين مصدرًا مهمًا للأسلحة التي حصلت عليها بعض دول القرن الإفريقي مثل الصومال، وإريتريا، وإثيوبيا. ووفقا لبعض الإحصاءات فقد وصلت قيمة الأسلحة التي حصلت عليها إثيوبيا وإريتريا من الصين خلال فترة الحرب الحدودية بينهما "من عام 1998 وحتى عام 2000" نحو مليار دولار، وكان ذلك تجاوزاً للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على مبيعات السلاح للطرفين.

إن التنافس الدولي داخل منطقة القرن الإفريقي بات واضحاً خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة، خاصة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. ويرى كثيرٌ من المراقبين أن أي تنسيق بين الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية المنافسة لها داخل منطقة القرن الإفريقي لن يكون غالباً في صالح دول المنطقة وشعوبها، لأنه سوف يكون موجها بالأساس لخدمة مصالح تلك القوى الدولية بغض النظر عن مصالح دول المنطقة، ولاشك في أن عدم وجود تنسيق كامل بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي داخل منطقة القرن الإفريقي حتى الوقت الراهن يعطي فرصة سانحة لدول المنطقة لتعظيم مكاسبها من التنافس الدولي حولها. ولذلك يتعين على دول المنطقة اتخاذ خطوات فعلية على صعيد التكامل الإقليمي وتحقيق الاستقرار السياسي وبدء عملية التنمية المستدامة، والتعامل مع القوى الدولية بمنظور واحد يخدم في المقام الأول مصالح شعوب المنطقة، لاسيما الشعوب العربية التي يعتبر القرن الافريقي بوابة رئيسية لأمنها القومي.