الوفاق العربي والطريق المسدود

 كثيرا ما يصبح الخطاب النقدي الشعبي التلقائي الأكثر قدرة على تفسير الواقع العربي المتشظي من المحيط إلى الخليج. وهكذا فقد ردّد مرة سائق حافلة ببلد عربي نداءه للحشد الراكب فيها داعيا أفراده بصوت غليظ: "من فضلكم تقدموا إلى الوراء لفض الزحام". في تلك اللحظة انفجر الركاب بالضحك وقالوا له بسخرية: "إن نداءك ينطبق تماما على الوضع العربي"! ويعني هذا التعليق التهكمي أن البلدان العربية قد تمكنت فعلا منذ حصولها على ما يشبه الاستقلال من التقدم إلى الوراء ومن تحويل التضامن والتعاون لطرد شبح الاستعمار إلى رماد مبعثر تحمله ريح القطرية المتعنتة والضيقة إلى أودية النسيان. وأكثر من ذلك فإن الأنظمة السياسية ببلداننا لم تتمكن من خلق "ثقافة التكامل" على جميع الأصعدة الاقتصادية، والاجتماعية، والاعلامية، والتربوية وغيرها من العناصر والعوامل التي تلعب الدور الحاسم في ربط الشعوب ببعضها البعض. ومن المؤسف له أن الدولة القطرية العاجزة عن تحقيق الحداثة، وكل المناعات المادية والمعنوية قد حوّلت إلى مجرد هكذا حدود تفصل التاريخ المشترك، والأحاسيس الشعبية ذات الطابع الوحدوي.ويبدو واضحا أن الدول العربية تسير بعكس الاتجاه المعاصر للتاريخ البشري. فأوروبا التي خاضت حربين عالميّتين في أقل من نصف قرن قد استخلصت العبرة من أن الدولة الوطنية بمفهومها العنصري، أو الانعزالي، أو النكوصي تمثل الخطر الأكبر لأنها توظف العرق والحدود المغلقة والصراعات على كمشة من الأتربة لتزكية نرجسيتها، ومصالحها التي تعوق الحوار والتكامل. إنها أدركت فعلا أن عناصر القوة تكمن في توحيد القوى الناعمة، وكذلك الإمكانيات المادية الأخرى في صورة السوق الأوروبية المشتركة، ومن ثم في شكل الاتحاد الأوروبي اللاغي للحدود بصفة نهائية. فالدول العربية تعرف تماما أن عصرنا هو عصر التكتلات والوحدات المبنية على احترام التنوعات الثقافية والإثنيات والمعتقد الديني في إطار الديمقراطية. إنها تعرف هذه الحقائق ولكنها تصر على البقاء أسيرة وهم الدولة – المدينة، ودولة الطوائف، أو الدولة العشائرية. لماذا يحدث كل هذا؟ مما لاشك فيه أن السبب الجوهري في هذا الصدد يتمثل في كون الشعوب في المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج مخدّرة، ومهمشة، ومغرقة في الأمية، وبالتالي فإنها مبعدة لسنوات طويلة عن ممارسة حقها في الحكم، والاستشارة، والتخطيط لمشروع إنجاز التكامل كخطوة أولى على طريق بناء القواعد الصلبة للوحدة الصادقة والمؤمنة بالغد الأفضل. إن هذا الاستبعاد قد جعلها تنكمش، وتتشظى وفرض عليها ثقافة الشوفينية المغرقة في الانعزالية.وهكذ تحقق المثل القائل: "ان الناس على دين ملوكهم" حيث أن هؤلاء الملوك والرؤساء والأمراء يبدو أنهم قد تدينوا على نحو لا رجعة فيه بعقيدة "الدولة القطرية" العالية الجدران وذات الحدود الفولاذية، من هنا، فإن المشكلة إذا هي مشكلة سياسية وثقافية واجتماعية وليست تاريخية. إنها مشكلة سياسية لأن السياسات العربية الرسمية تكرس خطاب التجزئة بكل مضامينه الثقافية والاقتصادية، والاعلامية وكذا الأشكال التي تسوّغ ذلك. أما بخصوص البعد الثقافي فإن الثقافة المفروضة والسائدة تتمثل في جعل الوطنية الانعزالية، أو لنقل وطنية الحدود – السدود الشعار المرفوع دائما، والهاجس اليومي المتحكم في مشاعر وعقول الناس.التناقض الصارخمن المعروف أن التاريخ القديم لبلداننا يناقض واقعها الآن وعلى نحو صارخ ومؤلم. فالدولة الاسلامية الكبرى قد ألغت القطرية، وجعلت الحضارة مقياسا وعنوانا وأخلاقيات.كما أن بلداننا في المرحلة السابقة للدولة الاسلامية كانت تتمتع بأشكال من الوحدوات والتكتلات مثل الحزمة الواحدة. وحتى بعد انهيار الدولة الاسلامية نشأت عقبها وحدات اقليمية مثل دولة المرابطين ودولة الموحدين. وفي المرحلة الحديثة والمعاصرة يبرز أيضا تناقض آخر بيننا وبين أوروبا، وأمريكا وروسيا. فأوروبا التي هي مؤسسة الحداثة التي أنتجت ظاهرة الدولة – الأمة قد تخلت عن هذا الشكل من الوجود السياسي. كما أن الولايات الأمريكية قد توحدت وأصبحت دولة عظمى واحدة. وبالمقابل فإن روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي قد حافظت على شكل الوحدة المتمثلة في الجمهوريات التي تكوّن الاتحاد الروسي، وهي جمهوريات متعددة الأعراق، والديانات، والثقافات كما هو معروف للجميع. وإذا أخذنا التجربة الهندية فإننا نجد دولة الهند متكونة من عدد من الأقاليم ذات الحكم الذاتي في ظل الاتحاد الديمقراطي. وفي هذا السياق فإن بريطانيا نموذج آخر حيث أنها ليست مملكة واحدية، بل هي اتحاد يتكون من إنجلترا، وويلز واسكوتلاندا وإيرلندا الشمالية.وحتى كندا، فهي دولة مشكلة كاتحاد يجمع كلا من القسم الناطق بالانكليزية بالقسم الناطق باللغة الفرنسية. أما سويسرا فهي أيضا اتحاد يضم أربع إثنيات. فهذه الوحدات الأوروبية المصغرة قد تم تصعيدها إيجابيا إلى اتحاد أوروبي انتخب مؤخرا رئيس الدولة الأوروبية الموحدة الذي اختير ديمقراطيا ومن دولة مجهرية وهي بلجيكا. وفي الحقيقة هناك نماذج أخرى في العالم تنحو الآن نحو توحيد صفوفها عن طريق التكامل الاقتصادي كمقدمة تمهيدية للانتقال إلى بناء الدولة الكبرى الموحدة واللاغية للقطرية وللحدود الفاصلة. أمام هذه النماذج القائمة، والمحاولات الأخرى لبناء الوحدة لم يبق سوى "الرجل العربي المريض" متشظيا إلى أقطار تتفتت الآن إلى طوائف وعشائر، ومذهبيات متقاتلة، وزعامات منتفخة. ومما لاشك فيه أن نقطة الضوء الوحيدة تتمثل في الاتحاد الافريقي الذي ينتظر منه أن يفعل شيئا بديلا. أما الاتحاد المغاربي فليس إلا مجرد شكل بلا محتوى. إن هذه الفوضى من المحيط إلى الخليج تغذيها النعرات الوطنية، والانعزالية التي تظهر وتطفو إلى السطح في العديد من المناسبات الرياضية والفنية والثقافية، وفي الأزمات السياسية كأزمة حرب الخليج، وأزمة احتلال أمريكا للعراق من قبل جيش جورج دبليو بوش.وإذا فتحنا النقاش الجدي والموضوعي والمسؤول فإننا نجد أن كلا من المجتمعات المدنية، والأنظمة السياسية من المحيط إلى الخليج تشارك بطرق مختلفة وبنسب متفاوتة في إفراز، وإنتاج، وتعميق ثقافة الدولة القطرية المزهوة بحدودها التي تغلق في وجه التقدم والمصير الجماعيين. فحتى النخب المثقفة والفنية لا تلعب الأدوار الراديكالية وبنزاهة وصدق وشفافيّة لمقاومة النزعة القطرية وتجلياتها في شتى المؤسسات، والأجهزة، والبنيات بكل أنماطها، لنأخذ ثلاثة حقول أساسية كحالة دراسية واقعية لنعرف حجم الانهيار المخيف في العلاقات بين بلداننا منذ سنوات رغم الإدعاءات بأن التواصل الدبلوماسي قائم بينها:حقل المنظومة التعليمية والثقافيةيمثل التعليم بكل فروعه ومستوياته ركنا أساسيا في أية نهضة ذاتية أو شاملة. إن توحيد التنوعات في هذه المنظومة شرط جوهري لتربية الأجيال وتعميق الحس الوحدوي عندها، وترسيخ ثقافة التكامل بين بلداننا، فالواقع المر يكشف للدارس أن البرامج المقررة متطرفة جدا في الوطنية الضيقة. وتكتسي مواد الحضارة والتاريخ والآداب، والفنون، والفلسفة أهمية استثنائية في عمليات غرس فكرة الوحدة التي تحترم التنوعات والخصوصيات في آن واحد. كما هو معروف فإنه لا توجد فيزياء وطنية، أو كيمياء وطنية، أو رياضيات وطنية، والشيء ذاته ينطبق على علم الفلك، وعلم الطب، ولكن العلوم الانسانية المذكورة سابقا هي التي تمارس فيها الوطنية أو النزعة الوحدوية، أو النزعة الانسانية الكونية. ومن هنا، فإن الكتب المقررة في مصر، أو لبنان، أو السعودية على سبيل المثال لا الحصر لا تفتح أبوابها للانتاج الثقافي، والفكري، والفني لبلدان أخرى داخل المنظومة التي تدعى بالعربية. وإن هذا ينطبق بصورة استثنائية على دول المشرق العربي التي تعتبر نفسها مركزية. أما الدول المغاربية فأقرب إلى الروح الوحدوية خاصة وأن البرامج والكتب المقررة في منظومتها التربوية متفتحة أكثر على المنجزات الثقافية والحضارية، والتاريخية، والفكرية المشرقية. وبسبب ذلك فإن مفهوم العروبة في الذهنية المغاربية يتميز بأنه ثقافي وحضاري أكثر من المفهوم السائد في الذهنية العربية المشرقية. ولا ريب في أن مفهوم العروبة في المنطقة المغاربية وعاؤه الاسلام في تدفقه الحضاري. ولهذا الاختلاف خلفية تاريخية واضحة. فالمشارقة ينظرون إلى المنطقة المغاربية كطرف مقابل المركز المشرقي المهيمن، والذي انطلقت منه الديانة الاسلامية واللغة العربية في المرحلة التاريخية المعروفة.إن من يفتح الكتب المدرسية في بعض الدول المغاربية يجدها تعطي مساحة معتبرة وعلى نحو الزامي ومتكرر للنصوص المشرقية التي تتحدث عن تاريخ، وحضارات، وتتضمن النصوص الأدبية، والفكرية للأدباء والمفكرين المشارقة. وبالعكس فإن الكتب المدرسية المقررة في دول المشرق العربي خالية غالبا من النصوص المغاربية إلا نادرا الأمر الذي لا يقاس عليه من الناحية الموضوعية ومن حيث التمثيل الثقافي، والتاريخي، والحضاري.حقل الإعلامإن الاعلام الرسمي من المحيط إلى الخليج لا يعبر تعبيرا حقيقيا عن مشاغل واهتمامات المواطنين والمواطنات من المحيط إلى الخليج، ولا يعكس نقديا المشكلات الكبرى التي تحول دون تحقق إما مشروع التكامل أو مشروع الوحدة باعتبارهما مشروعين شعبيين بالدرجة الأولى. وفضلا عن ذلك فإن النزعة القطرية في مجال التعريف بالثقافة، والتاريخ، والعناصر الحضارية – في هذا الإعلام الرسمي هي المسيطرة ما عدا بعض الحالات النادرة ذات الطابع الإخباري العادي الذي يمس باستمرار وعلى نحو مكرر الجانب السياسي الرسمي فقط. فهذا النمط من الإعلام يتحول عند الأزمات، أو المنافسات أو الخصومات إلى وسيلة للهجوم، والتعبئة والقذف والتشويه. وبالنتيجة فهو ليس بالإعلام الحريص على وحدة النسيج الشعبي من المحيط إلى الخليج.الحقل الاقتصاديإن حصة الأسد في مجال التبادل التجاري، والتعامل الاقتصادي تذهب إلى الدول الغربية حيث أن العلاقات الاقتصادية بكل تفريعاتها بين دولنا هزيلة وتخضع دائما لمزاج وطقوس الحكام والأجهزة السياسية. إنه لا يوجد اقتصاد موحد في شكل منظومة تكون فوق السياسة وأهوائها وتقلباتها الكثيرة في الفضاء الجغرافي – السياسي الممتد من طنجة إلى مشارف القرن الافريقي. وهكذا فإن هذه الحقول الثلاثة "التعليم والثقافة، والاعلام، والاقتصاد" غير مؤسسة على قواعد التكامل الاستراتيجي سواء على المدى القصير أو على المدى البعيد. ونظرا لذلك فإن حلم الوحدة يتحطم دائما على صخرة التناحر السياسي، والانعزالية الثقافية، والعزلة الفكرية مما جعل ذلك الحلم الشعبي يتبخر ويزدرده كابوس الانقسام.