بعيدا عن أرض الوطن

المشكلة الأولىالسلام عليكم،أنا شاب أدرس في دوله غير عربية.. ومشكلتي هي أني أتعرض ليل نهار للانحراف الأخلاقي المتمثل في الزنا، أما الخمر فالحمد لله لا أجد عندي أي رغبة في تعاطيها.. عندما عدت لأرض الوطن ارتبطت بفتاة أحبها من صميم قلبي، وتوالت الأيام حتى جاء موعد سفري وودعنا بعضنا كخير ما يودع الأحباب بالدموع والنظرات الحانية. ذهبت وقد عقدت العزم على أن أصون النظر الذي هو بريد الزنا وأن ألتزم أكثر بديني، وكان لي ما أريد لعدة أشهر؛ حيث تمكنت من غض البصر حفاظًا على العهد الذي بيني وبين خطيبتي، إلا أني ضعفت وأصبحت أنظر لغيرها، وهذا سبّب لي ألمًا كبيرًا؛ لأني أخونها بنظري وخوفي من أن يعاقبني الله تلقائيًّا؛ فتسول لها نفسها النظر لغيري.. ثم تطورت بي الأمور حتى أصبحت أمارس العادة السرية لأُخرج ما في نفسي من شهوة، وفي كل مرة أحتقر نفسي؛ لأني أتخيل أني أمارس الجنس مع غير خطيبتي، ثم عقدت العزم على أن أترك هذا الفعل الضار، ولكي يتم لي ما أريد لجمت عيني عن الحرام، ودعوت الله عفة النظر، إلا أن هذا الأمر لم يستمر طويلاً لأسباب كثيرة هي في نظري سهولة الحرام في الدول الأجنبية؛ حيث إني أستطيع ممارسة الجنس بأبخس الأسعار ومع أجمل الجميلات؛ فالحدائق العامة هناك هي أشبه بصالات عرض الأزياء ومراقص التعري والبحر، حتى الجامعة أكره الذهاب إليها لهذا السبب نفسه.. كما أن خطيبتي التي أحبها وأحترمها جدا ليست معي لكي أمتع نفسي بالنظر في جمالها ضمن الشرع، فهي لا تقابلني إلا بالحجاب كاملا وساترًا ودون خلوة، إلا أن وجهها البريء وعفتها وأناقتها البسيطة كانت تغنيني عن النظر إلى أجمل الجميلات.. المشكلة أن الوضع تأزم معي فأصبحت أتخيل ليلة الزفاف البعيدة على ما يبدو، وأبالغ في التصور حتى يقودني هذا إلى ممارسة العادة الحقيرة السرية، وأنا أتخيل نفسي معها في تلك الليلة مما يدفعني بعد الانتهاء إلى التوبة من جديد والبصق على نفسي وحرق يدي كعقاب على جرأتي الوقحة.. تطورت الأمور أكثر حتى فكرت أن أتزوج من فتاة غربية بنية الطلاق التي أفتى الشيخ ابن عثيمين أنها جائزة لمن هم في وضعي؛ لكي أتخلص من التفكير المستمر بالجنس وصرف الطاقات والوقت، إلا أني أكره أن يلمس جسدي غير التي اختارها قلبي، فضلاً عن كرهي الارتباط بفتاة غير عربية ومسلمة، وأنا أظن أن أهلي غير قادرين على تزويجي حاليًا لكلفة الزواج من عربية، وأنا الآن على وشك إقامة مثل هذا الزواج البسيط بنية الطلاق حتى لا أعذب نفسي بالتفكير، ولكي لا يتراجع مستواي الدراسي الذي بدأ فعلا بالتراجع، ولكن أنا أعتبر نفسي خائنًا إن لامست جسد فتاة أخرى، خاصة أن خطيبتي التي تعلقت بي جدًّا تدعو الله دائمًا أن يعجل الله بالفرج، ولو كان الأمر بيدها لوهبتني نفسها دون الحاجة لمطالب العرس الباهظة الثمن.. أحب فتاتي، ولكن أخاف على نفسي.. أرشدوني أرجوكم.. وللعلم، زواجي من خطيبتي لن يتم قبل انتهاء فترة الدراسة والعمل لمدة سنتين على الأقل.. المشكلة الثانية الإخوة الأفاضل تحية طيبة وبعد، بداية أود أن أحييكم على هذا الجهد الرائع في هذه الصفحة، وأود من الله العلي أن يغفر لنا ولكم الزلات. أنا شاب أدعو الله أن أكون كما يقول البعض (ملتزمًا) حتى أني أوجِّه الشباب الجدد نحو الالتزام، وعمري23 عامًا، وأدرس في بلد غربي عم فيه الفساد الأخلاقي، وأثرّ عليَّ وبشكل واضح.. فحاولت اتباع العلاج الشرعي ألا وهو الصوم، ولكن بعد مدة أصبح الأمر لدي عادة؛ فَقَلَّتْ فعاليته فقررت في نفسي الأمثل ألا وهو الزواج قبل إنهاء دراستي التي امتدت بسبب المشاكل النفسية التي أعيشها لعدم زواجي، فخابرت أهلي في هذا الموضوع فما كان إلا الرفض وبشدة والسبب المال، والأدهى أني أحاول إفهامهم أني بصراحة أقاوم نفساً تود الفساد في بيئة ما أهون الفساد فيها، ولكني لمحت لهم بذلك، فكان الرد قاسيًا عليّ وأصمتني مضطرًّا وهو: "أنت الشاب الداعية تخاف على نفسك.. اتق الله، والزم دينك كما صبر المئات غيرك في بلاد الغربة". فلا أعلم ماذا أفعل وفكرت في الزواج ببنت مسلمة ملتزمة في البلد الذي أعيش فيه، وأستقر هنا خاصة أن ظروفي الأمنية تمنعني من العودة إلى بلدي في الوقت القريب، ولكن واجهتني مشكلة المال اللازم للزواج فقط؛ فحاولت الاقتراض بشرط السداد بعد مدة طويلة، ووجهت بالرفض مما جعل الأخت المرشحة للزواج تتزوج بشاب من بلدها وهذا نصيبها، وظللت أنا في مشاكلي. والآن يحاول أحد الإخوة المتزوجين البحث لي عن أخرى، وأنا أرفض حتى لا أواجه نفس المشكلة.. رغم أني راسلت بعض المؤسسات الإسلامية التي تُعنى بهذا الموضوع؛ فلم تتكرم حتى بالرد السلبي. وها أنا أكتب لكم: أنا لا أستطيع الدراسة في هذه الساعة المتأخرة من الليل والله إني أتألم على حالي وعلى دراستي. أخبروني بالله عليكم: ماذا يستطيع شاب مثلي يصارع شياطين الإنس والجن من حوله، وأدهى من ذلك نفسه الإمارة بالسوء؟ المشكلة الثالثة السلام عليكم لقد تصفحت الكثير من المشكلات على صفحتكم، لكني لم أجد أحدًا فيها ما يشبه مشكلتي، لكن قبل أن أعرضها عليكم أود مسبقًا أن أقر لكم بأنني مخطئ، وأشعر بذنبي تمامًا. أنا رجل مسلم في الثلاثين من عمري أنتمي إلى أحد البلاد العربية لكنني أعيش في ألمانيا منذ فترة، وقد تزوجت من إحدى أقاربي، وهي بالفعل خير زوجة والجميع يحسدونني عليها، ولدىَّ 3 أطفال والحمد لله. وأنا متدين ودائم الصوم والصلاة، ولكن البعض يعتقد أنني أفعل ذلك على سبيل العبادة، وأنا في الحقيقة أشعر بأنني منافق وعبادتي الدائمة ناتجة عن شعوري الطاغي بالذنب؛ لأنني للأسف قمت بالزنا عدة مرات، فالمغريات هنا أكبر من إرادتي، والشيطان تحكم فيّ وتغلب عليّ في مناسبات عديدة، لكن بعدها سرعان ما ينتابني شعور بالذنب وبأنني أستحق إقامة الحد عليّ بالرجم حتى الموت، لكن أتشبث دائمًا برحمة الله تعالى. أنا أحب زوجتي كثيرًا وأطفالي هم قرة عيني، لكن شعوري بالذنب ينغص علي حياتي، وسؤالي هو: هل من الممكن أن يتوب الله على مرتكب الزنا المتزوج في مثل حالتي، لقد ندمت بشدة، ولديّ إيمان تام برحمة الله تعالى، ولكن الشيطان يوسوس لي دائمًا بأنه لا ملجأ لي، هل لكي تتم التوبة وأشعر براحة النفس يجب مصارحة زوجتي المتدينة الفاضلة بكل أفعالي تلك، بالرغم من أن ذلك قد يؤدي إلى الطلاق. ساعدوني أعانكم الله؟  الحل :الإخوة الأفاضل، هل تعلمون ماذا أصبح هذا الباب بالنسبة إليّ؟ أنه يكاد يصبح كل حياتي. بدأنا فيه على استحياء، نرجو وما نزال التوفيق من العلي القدير، فإذا به يتطور أسرع مما نتصور، ويتقدم ليتصدر صفحات هذا الموقع بعد الفتوى، ويتصدر موقعكم هذا ليصبح الأول على مستوى كل المواقع العربية بحسب معرض جايتكس الأخير بدبي. هذا النجاح الذي نحمد الله عليه يلقي علينا أعباء جديدة ومسئوليات متزايدة تعني المزيد من الجهد، والمزيد من الدقة والتجويد. أقول هذا لأعطي كل الأحباب من رواد هذه الصفحة فكرة لماذا نتأخر أحيانًا في الرد عليهم؟ ولماذا ننفعل أحيانًا؟ ولماذا يبدو أحيانا أننا أقل من آمالكم الكبيرة؟ فمع التذكير بالقصور البشري العادي دعونا نؤكد أن نجاح هذا الباب مرهون بالمزيد من التواصل بيننا حتى يتضح الغامض، وينفك المعقد، ويهون الصعب. تواصلكم معنا يشعرنا بأن أصواتنا تصل، وأننا نقوم بدور يستحق الجهد الذي نبذله، وأننا نقدم شيئا يسهم في التخفيف من معاناة البعض، وحل مشكلات آخرين، أيها الأحباب، المزيد من التواصل أرجوكم، وتحملونا إن قصرنا أو تأخرنا أو أخطأنا، وتأكدوا أن كلمات رسائلكم حين تخرج من القلب فإنها تصل مباشرة إلى القلب والعقل. أيها الأحباب، بين أيديكم هنا مشكلات وردت إلينا على فترة متقاربة وأخرتها للرد عليها بعد التأمل فيها؛ لأنني سبق وعالجت موضوعها في أكثر من إجابة، ولكنني قلت: لعل ما سلف لم يكن كافيًا، ولعل الأمر يستحق المزيد من المعالجة والتعمق، وهو بالفعل يستحق. الحب والجنس أمران مرتبطان وكلاهما شديد التعقيد والتركيب، وللأسف فإن وعينا العام، وتفكيرنا الشائع تعود على تسطيح الأمور والاقتصار على الاختيارات المتطرفة والحلول البسيطة، رغم أن الواقع شديد التركيب، وكذلك الشرع، والتسطيح والتبسيط يدعو للدهشة بالتالي الناحية النفسية لها دور كبير في مسألة الجنس تصورًا وتفكيرًا وممارسة، فالناظر إلى الأمر بمنطق مجرد سيجد أنه أبسط من أن يحتل كل هذه المساحة من الاهتمام، وأؤكد لكم أنه يتمدد أكثر وأكثر في فراغ النفس والذهن والوقت، أتذكر عندما كنت طالبًا في الجامعة مثل كثيرين من الأحباب هنا، وأتساءل: لماذا لم يخطر على بالي، ولم يؤرقني وقتها مسألة إقامة علاقة مع فتاة رغم ما يبدو لي من أهمية العاطفة في تكوين الإنسان، ولا أعتقد أن متانة الخلق تبدو سببًا قادرًا على التفسير الكامل لهذا، إنما أظن والله أعلم أن السبب كان في الانشغال الذهني والنفسي والوجداني. لقد كنت وغيري نعيش بدرجات في حالة من الطموح والتصدي للظلم والفساد، وكل أسباب التخلف الذي نعيشه، هل هذا هو الالتزام الذي تتحدثون عنه أحيانًا، لا أدري على الأقل هذا هو بعض مفهومي عن الالتزام، أن تمتلئ الفكرة وتشتعل بها فتكاد لا تترك لك جانبًا من جوانب حياتك إلا وتطرقت إليه لتوظفه في خدمتها حتى الحب العاطفي، فهي تحدد لك في أي اتجاه ينبغي أن ينظر قلبك وتتوجه أشواق روحك، ويزداد الأمر حين تكون لهذه الأفكار أبعاد دينية، وتعطيها أنت أبعادًا روحية وتترك لها الفرصة أن تتسلل إلى كل خلية حية فيك فتختلط باللحم والدم والأعصاب؛ فتعيش بها ومعها، هي تضحكك وتبكيك، وتقيمك وتقعدك فلا تحتاج بعد فترة إلى أن تأمرك وتنهاك فأنت مستسلم لها، فتنقاد لتجلياتها، هل هذا هو الإسلام المشتق من السلم والتسليم على الأقل هكذا أفهمه. بهذا المعنى ومع طول البقاء على هذا النحو يصل الإنسان إلى مرحلة قد تبدو عجيبة وهي أنه صار وفكرته شيئًا واحدًا تقريبًا، فإذا أراد أن يتخلى عنها أو يتركها، فلن تتركه هي، وإذا أرد أن يخرجها من نفسه ربما احتاج إلى تغيير نفسه جذريًّا بنفس جديدة ليست غارقة في ذاك الغرام القديم. هل يرد على هذا المجذوب خاطر بالزنا مثلاً؟ نعم ترد بالطبع؛ لأنه بشر، ولكنه إذا أراد أن يهم أو يفعل فلن يستطع فعلا، ربما لن تسعفه مشاعره أو أجهزة جسده أو يهرب في اللحظة الأخيرة. هذه نوعية من البشر موجودة بيننا، وأدعو الله أن يجعلنا منهم. وهناك فئة أخرى ربما تكون أوسع لديها من الضمير والالتزام والتقوى ما لا يصل إلى المنع الكامل عن الخطأ، أو الاستسلام الكامل للفكرة، والانقياد الكامل للالتزام، وهذه الفئة هي الأشق على الشيطان ويروى في الأثر أنه- أي الشيطان- قابل أحد الأنبياء فسأله وأجابه، ثم سأله النبي: من أشد الأصناف عليكم؟ فقال إبليس: أشد الأصناف علينا قوم نقبل على أحدهم بالتزيين والإغواء حتى يقع في المعصية، ثم إذا به يتوب ويعود إلى الله فيغفر له، فلا نحن نيئس منه كما نيئس من الأنبياء، ولا نحن نستريح من عنائه كما استرحنا من العصاة الذين لا يتوبون. وأضع خطًا تحت كلمة التزيين؛ فالجنس معظمه تزيين من أول "زين للناس حب الشهوات من النساء". ومرورًا بالمليارات التي تنفقها مؤسسات عابرة للقارات وعشرات الملايين من النساء اللائي آثرن احتراف العمل في هذه المهنة بمختلف أنواعها، وانتهاء بالمستوى الفردي الذي تتزين فيه المرأة للرجل فتتحرك نفسه نحوها ليصيب منها، ولو كانت نفسه مهمومة أو منشغلة لما تحركت قدر شعرة، فسبحان الذي بيديه ملكوت كل شيء، ومفاتيح القلوب. والله سبحانه الذي خلق الإنسان، وزين له حب الشهوات المادية على نحو معين، هو الذي وضع له النظام الذي يكفي ويتيح تلبية هذه الشهوات بما يكفل سعادته، وعمارة الأرض. والحاصل أنه للأسف فقد ابتعد واقع المسلمين تدريجيًّا عن الصورة والأوضاع اللازمة لتطبيق معالم وقيم ومقاصد الدين الحنيف، وهذه الحقيقة يقولها كل المسلمين تقريبًا، لكن تصورهم لنواحي الخلل، ووصفة العلاج تختلف رغم اتفاقهم أن طريق الحل هو العودة للإسلام. واعتقد أنه لا يمكن الحديث عن مجتمع أو نظام اجتماعي يستلهم الإسلام، ويكون فيه الزواج صعبًا. حيث يكون الزواج هو السبيل الوحيد الحلال لإشباع الرغبة الجنسية، وعمارة الأرض بالمعروف، وبناء مجتمع سليم يمكن التنبؤ بمشكلاته والتعامل معها. حيث يكون هذا الزواج صعبًا أو شبه مستحيل، فلا تسأل عن حكم الإسلام؛ لأن حكم الإسلام يقتضي ابتداءً أن يكون الزوج ميسرًا بما لا ينفي المسئوليات المترتبة عليه، وهي كثيرة. في هذا الإطار وحتى تستوعب مجتمعاتنا هذه البديهية ولنا في ذلك دور وعلينا واجب أقول إخواني ما يلي: أولاً من لم تستوعبه فكرته التي يلتزم بها، وزوجته التي تحته، ويرى أنه لم يعد يستطيع المزيد من المقاومة أو الاستغناء أو الاستعلاء على شهوة الجسد فليكن رجلاً، ويأخذ المتعة مع المسئولية، ويتزوج ثانية، والله حسبنا وحسبه، ولنا حول الزواج الثاني إجابات مفصلة حبذا الرجوع إليها. ثانيًا: للذين يدرسون في الغرب أقول إن متانة الخلق إنما تظهر حين توضع على المحك، وتدخل دائرة الاختبار، والمسألة أكبر من مجرد شهوة تضغط، ورغبة تخنق، المسألة تكمن في صلاحية الإسلام لهذا العالم وعدم صلاحيته، من غلبته شهوته فليتزوج زواجًا شرعيًّا على سنة الله ورسوله. من وجد مسلمة ملتزمة فهذا خير وأولى: يقضي وتره ويرضي ربه ويستر بنات المسلمين، ومن لم يجد فأمامه النساء أشكال وألوان وأنواع، لنفسه ولدينه، لقلبه ولعقله، ولأبنائه من بعد. ومن أراد أن يتزوج من أوروبية، فأفضل له أن يحترمها ويتزوجها زواجًا لا خيانة فيه ولا نية غدر، إنما يتزوجان وقد يؤجلان الإنجاب لفترة حتى ينظرا في أمرهما، فإن استقامت بينهما الحياة ففهمته وفهمها، وظهر لهما أن هذه الزيجة تسعدهما إن استمرت، وتناسبهما، فليفعلا والله يهدي من يشاء لما يحب، وإن كانت الأخرى فلا جناح عليهما أن يتفرقا بإحسان وحذار يا إخواني، أن يتزوج أحدكم امرأة لغرض، ثم يلقي بها بعد أن يحصل عليه. إن معنى أهل الذمة الذي يغيب عن الكثيرين أنهم وأنهن أي الكتابيات في ذمة المسلم حيثما حل، لو كان هو من الأقلية العددية، ولو أن بلدًا أوروبيا أو غير أوروبي كان أهله جميعا من أهل الذمة إلا مسلمًا واحدًا لكانوا جميعا في ذمته، وهذه هي عزة الإسلام. ثالثًا: أذكر نفسي وإياكم أن الله خلق الناس ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ مما يعني هنا أن الله يدري مدى قدرة فلان على التحمل ومدى قوة شهوته ومدى تغلبها على عقله؛ وحيث إن الأمر كذلك فأنا أرجو أن نفكر في موقفنا أمام الله حين يراه كل واحد، وليس بينه وبينه حجاب ويسأله لماذا وقعت في الحرام، وكان الحلال أمامك؟! لماذا ظلمت نفسك أو زوجتك؟ أو غيرها، وكان العدل ممكنًا؟ ولينظر أحدنا إلى ما ينجيه يومئذ وليفعله دون لف أو مراوغة أو دوران أو انتحال أو استخدام للدين لتبرير أشياء أخرى، إنما وضوح ومسئولية. هل تراني بهذا أدعو إلى عصيان الوالدين وإغضاب الزوجات، اللهم لا، ولكن إن وجد المرء نفسه حقيقة بين اختيارين أحدهما عصيان الله، ولم يجد مخرجًا من هذا إلا أن يعصي الوالدين أو يغضبهما إلى حين، أو يؤلم الزوجة، إذا كان الضرر متحققًا لا محالة فليكن أخف الضررين وهو بالطبع في غير معصية الله. وكما ترون فالأمور في أحيان كثيرة تبدو نسبية ودقيقة التوازنات؛ ولذلك فمن رحمة الله وحكمته أنه انفرد بحساب البشر، ولم يوكل هذا لنبي مرسل أو ملك مقرب؛ لأنه لا يملك أحد الإحاطة الشاملة والدقيقة بكل التفاصيل إلا هو وحده سبحانه. رابعًا: بنفس المنطق والمنهاج، فإن الله تواب رحيم يقبل توبة العبد، ويعلم حاله، وهو يتوب عليه؛ لأنه الرحمن الرحيم؛ ولأنه أيضًا الخبير العليم بضعفه وحاجته، وبالتالي لا معنى أن نلتفت إلى الوراء إلى صفحة الذنوب، إلا للاعتبار، وتعلم الدروس وليس لاستمرار جلد الذات واجترار اليأس من روح الله. والفرصة متاحة مع كل نفس يتنفسه الإنسان ليعود إلى الله سبحانه فيفرح به كما يفرح أحدنا بناقته عادت إليه بعد أن فقدها في الصحراء، وعليها زاده ومتاعه. ومن عجب أن يستر الله الإنسان فيفضح هو نفسه، وستر الله للإنسان هو نعمة شكرها أن يتوب، ومن حسنت توبته فإن الله من رحمته يقول له يوم القيامة: اليوم أسترها عليك كما سترتها عليك في الدنيا، ولا فارق في هذا بين الصغائر والكبائر يبدو أننا يا أحباب في حاجة إلى تجديد المعرفة بالله سبحان،ويبدو أننا نتصوره إلهًا محاربًا يحب الدماء والألم كما تعتقده بنو إسرائيل، وأحيانا نعتقد أن غضبه أو قربه مثل غضب أو قرب البشر، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. أدعوكم ونفسي للتأمل في أسماء الله وصفاته؛ لنعرفه إذ يبدو أننا لا نعرفه حقا. فمن قال مثلاً: إن توبة الزاني المحصن لا تقبل إلا إذا فضح نفسه وقد ستره الله وذهب ليقيموا عليه حد الرجم حتى الموت، فمن اغتر بهذا وقال: إذن أزني ثم أتوب حذرناه من عاقبة أمن مكر الله. فما هذا الخلط بين حق الله سبحانه، وحق المجتمع الذي ينبغي أن يشاهد أربعة شهود عدول رجلاً يزني بامرأة زنا كاملاً متحققًا،ويذهبوا ليشهدوا…إلخ. فهل تتساوى المرأة العفيفة الشريفة مع أخرى أسقطت الحياء والكرامة، صحيح أن معاشرة هذه وتلك خارج الزواج زنا، لكن هل تتساويان اجتماعيًّا وأخلاقيًّا حتى نقوم بالبحث عن أهل المتحللة المنفلتة، لنعتذر لهم وعن أي شيء نعتذر هذا في عرفهم لا يدعو إلى الاكتراث طالما كان برغبتها. ما هذا الخلل في فهم العالم، وفهم الغرب وفهم ديننا؟ هذه أفهام مغلوطة وليس لها مستقبل يذكر كما أنه لا أصل لها يعتد به في العالمين. وهذه الأفهام المغلوطة -التي أسميها جهلاً، فمعذرة- هي التي تصدمني حين أستشعر حجم المسئولية الملقاة على عاتق من يتصدى للتصحيح والتعديل، أما المعاصي فلها رب سبقت رحمته غضبه ووسعت لكل شيء فمن شاء أحسن الظن، وأحسن العمل، يخطئ ويعود وكل ابن آدم خطاء، ومن شاء فليغتر برحمة الله، أو ييئس منها، وهو المسئول عن هذا أو ذاك. يا إخواني، لا عذر لمرتكب الحرام والحلال أمامه، ولا عذر، لمرتكب أكبر الضررين والأخف أمامه، ولا عذر لجاهل؛ فأمامه الإسلام دين الله الخالد هو الوحيد الذي يحمل أملاً للبشرية اليوم، ولكن ليس بهذه الطريقة التي نفهمه بها، والله هو الحقيقة العظمى والرحمة الكبرى في الكون والحياة، ولكن ليس بهذا التصور الذي نعتقده عنه سبحانه، ونحن بشر نصيب ونخطئ وتجري علينا سنن الله في النهضة والتخلف. هذه يا إخواني، حقائق واضحة، وتحتاج إلى دليل- لأنكم تطلبون دليلاً- إذا احتاجت الشمس إلى دليل. أدعو الله أن ييسر الزواج للأعزب، والزفاف للعاقد، والسعادة للمتزوجين.