سياسة حرق الأوراق

لم يمض وقت طويل قبل أن ينتهي مفعول (القنبلة) التي ألقاها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوجه الجميع عندما أعلن عن نيته عدم الترشيح للانتخابات الرئاسية الفلسطينية القادمة، وكان المخرج أن لجأت القيادة الفلسطينية إلى تأجيل موعد الانتخابات الرئاسية التي تستحق بكانون الثاني القادم، وبهذه الطريقة تم تجاوز هذه الخطوة (إعلان الرئيس)، ما يعني بالمحصلة (حرق) أحد أهم الأوراق القليلة المتبقية التي يملكها الفلسطينيون لمواجهة المحور الإسرائيلي – الأمريكي، على اعتبار ان استقالة الرئيس الفلسطيني تضع العالم أمام مشكلة حقيقة في ظل عدم وجود بديل واقعي لمحمود عباس، مما يجعل من امكانية انهيار الوضع الامني والمدني بالساحة الفلسطينية امرا مرجحا، وهذا يحيل (المسؤولية السياسية والاخلاقية تجاه الفلسطينيين) الى المجتمع الدولي، وينسف منجزات اتفاق اوسلو على قلتها. وبعد أيام قلائل من إعلان تأجيل الانتخابات، وفي محاولة لمواجهة المأزق الذي تشهدة العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، راحت القيادة الفلسطينية تتحدث عن إمكانية (إعلان دولة فلسطينية من طرف واحد)، هكذا، فجأة، وبدون سياق، وخارج الحسابات الدولية والإقليمية، ودون التنسيق مع أي من الدول العربية المعنية مباشرة بعملية التسوية (وهذا اتضح من التصريحات الرسمية ذات الصلة)، فجاء رد الفعل الأمريكي كما كان متوقعا، وهو رفض الفكرة من أساسها والتعهد باستخدام الفيتو إذا ما طرح هكذا قرار على مجلس الامن (بمعجزة طبعا)، وكان قد سبق القرار الأمريكي تصريح مصري مشابه مفاده أن قيام الدولة الفلسطينية يجب أن يتم عبر المفاوضات.وبعيدا عن الخوض بتفاصيل واقعية أو عدم واقعية هذا التوجه الفلسطيني (إعلان دولة من طرف واحد) وما يترتب عليه من آثار على الارض، إلا أنه بالمحصلة، وكما اتضح بعد وقت جدا قصير من الحديث فيه، أنه جاء بسياق حسابات داخلية فلسطينية محضة، لها علاقة بالمأزق الذي تعيشه الساحة الفلسطينية بفعل المراهنة المطلقة على المفاوضات كسبيل وحيد لتحقيق شعار اقامة الدولة، واصطدام هذا النهج بالجدار الاصم بعد انسداد الأفق أمام استئناف عملية التسوية بسبب التعنت الإسرائيلي المدعوم امريكيا.وبهذا، تكون السلطة الفلسطينية قد (أحرقت) الورقة الثانية التي تملكها، وبوقت قصير، وبدون أي مردود سياسي يذكر، فاختيار التوقيت كان خاطئا، ولم يتم وفق قراءة للموقف الدولي والإقليمي ، ولا أحد يعرف على وجه التحديد ما هي دوافع هكذا توجه، والشيء المؤكد الوحيد هنا،هو أن النية لاعلان دولة فلسطينية من طرف واحد هو استجابة لحسابات فلسطينية داخلية، ومحاولة (لتدوير) الأزمة الفلسطينية المرشحة للتفاقم إذا ما أصرت حكومة اليمين الإسرائيلي على مواقفها المتعلقة بعملية التسوية مع الفلسطينيين.ان الحسابات الخاطئة او (الضيقة) التي تم البناء عليها لاعلان الرئيس الفلسطيني عن عدم نيته لترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، وما تلاه من تهديد لاعلان دولة فلسطينية من طرف واحد، قد زادت الوضع الفلسطيني تعقيدا، واحرقت ورقتين ثمينتين بسبب التوقيت الخاطىء من جانب،وسوء الحسابات التي اعتمدت المعطى الداخلي الفلسطيني ولم ترى غيره،من جانب آخر، وهذا بدوره كشف الوضع الفلسطيني أمام احتمال اعادة الاحتواء الاسرائيلي، او الانهيار، او اعادة المسؤولية السياسية والاخلاقية لعهدة العرب.