ثمن الغربة

السلام عليكم ورحمة الله، وجزاكم الله ألف خير على نصيحتكم القيمة.. ولديّ سؤال آخر، فعندي ولد عمره ثلاث سنوات ونصف، وهو ينطق بكلمات قليلة، وفي بعض الأحيان يؤلف جملة من كلمتين، كما يكثر الصياح كأنه أخرس ولا نفهم من كلامه إلا القليل جدًّا.. وعندما يتكلم يكون عصبيًّا نعرف ذلك من حركات يديه.. وعندما يتكلم مع أصحابه يتكلم بلغة خاصة به لا نفهم منها شيئًا وهم يسألوني ماذا يقول؟، وهو طبيعي في مراحل نموه الأخرى، ولا يبدو عليه أي تأخر إلا في مسألة الكلام فقط..وأحب أن أعطيكم نبذة عن حياتنا، فنحن ليس لنا في محل إقامتنا أصحاب ولا أقارب لديهم أطفال، ومن الصعب أن يلتقي الولد مع أقران له، كما أنه لا يذهب إلى حضانة، لكنه سيذهب بعد شهور.. كما أحب أن أقول إنه حينما كان عمره أقل من سنة وحتى بلوغه سنة كنت لا أكلمه إلا قليلاً جدًّا.. ظنًّا مني أنه لا يفهم شيئًا لصغر سنه، وهذا خطأ أنا نادمة عليه.. واللغة العربية نتكلمها في البيت فقط وهو يسمعها، أما أخته ذات العامين فقد أصبحت تتكلم قليلاً أيضًا وهو يردد خلفها الكلمات.. أكثر ما يقلقني لماذا يصيح مثل الأخرس؟ وهو يحب الكلام، ولكن لا يستطيع تكلم لغتنا فيتكلم مطولاً بلغة خاصة معي أفهم منها القليل.. أعذروني للإطالة، ولكن غربتي ومشاكل ولدي تدفعني للإطالة للاستئناس بكم.. ولا شك أن ما أنا فيه هو ضريبة الغربة. سيدتي الفاضلة.. سأحاول التحدث باختصار وفي صلب الموضوع. أولاً: أقدر لك اعترافك بالخطأ في عدم الحديث مع الطفل سابقًا، والاعتراف بالخطأ فضيلة، خصوصًا أن ذلك لم يكن مقصودًا، بل حدث عن عدم وعي منك بأن الأطفال لديهم قدره هائلة منحها الله عز وجل لهم لفهم وتخزين المعلومات في السنة الأولى من حياتهم تساعدهم بعد ذلك على التفاعل مع محيطهم. فمثلاً عندما ينطق الطفل كلماته الأولى تكون خزينته أي ما يفهمه من الكلمات التي يسمعها تصل إلى خمس أضعاف ما يقوله. إلا أن الأوان بالنسبة لطفلك لم يَفُت بعد، ويمكنك تعويض ذلك الآن بالحديث المتصل معه ومع أخته (خاصة وأنك متفرغة لهما)، ويتم ذلك ببساطة بتعريف جميع أسماء الأشياء التي أمامهم والتي يرونها في المنزل والشارع من أناس، وأدوات، وأكل، وملابس، وصور، وغيرها، وكذلك وصف جميع ما تقومين أنت أو هما بعمله أثناء الأكل والشرب، واللعب، والاستحمام، وما يحدث أمامهما في التلفاز أو الصور من أحداث، والحوار عن هذه الأشياء، والإكثار من الأسئلة، وتقديم مفاهيم إضافية زيادة على الأسماء والأفعال، مثل: الألوان، والأحجام، والأشكال، والأعداد، وغير ذلك.ثانيًا: إن وجود الطفلة الثانية هو فرصة عظيمة للطفل الأول لتبادل معلوماته واهتماماته مع شريك "تواصل"، فبالإضافة إلى وجود ما يمكن الحديث عنه من حاجات ومشاعر ومعلومات، فهناك أيضًا ضرورة توفر شريك للتواصل (وربما هذا ما افتقده ابنك في السنة الأولى من حياته – الشريك)، وهذا لا ينفي ضرورة مشاركتك أنت ووالدهما معهما في تبادل "الحديث"، فبقدر ما يتعلم منها كما وصفت فإنه يحظى بفرصة لتجريب ما تعلمه، وممارسته فعليًّا على الطبيعة مع شركاء آخرين للتواصل.ثالثًا: ضرورة إيجاد فرص للتواصل ومشاركة الحديث والحوار، وذلك باللعب والمشاركة في أداء نشاطات مشتركة (النشاطات الروتينية اليومية من أكل وشرب، واستحمام، ومشاهدة التلفاز، والرحلات، والتنزه، واللعب هي فرص ممتازة لذلك)، ولا بد أيضًا من إيجاد شركاء للتواصل، فبالإضافة لأفراد الأسرة يمكن العمل على تشجيع الأطفال على اللعب والحديث مع أطفال آخرين سواء الجيران أو أطفال الروضة. وإذا كان هناك تخوف (كونكم في غربة) فلا بأس أن يكون هذا التفاعل تحت إشراف الأم أو الأب أو كلاهما معًا. وهناك العديد من الأماكن التي يمكن توفر أطفال آخرين بها، مثل: الحدائق العامة، والملاهي، ونوادي الأطفال.رابعًا: قد (وأكرر قد) يعاني بعض الأطفال من مشاكل في اكتساب إحدى اللغتين إذا كان متعرضًا للغتين في آن واحد (ثنائية اللغة)، ويعود ذلك للعديد من الأسباب، وإذا تأكد أن إحدى اللغتين تؤثر سلبًا على اكتساب الأخرى فيفضل التركيز على إحداهما (ويتم تحديد الأولويات تبعًا لظروف كل أسرة على حدة) حتى يتم اكتساب إحداهما بشكل متكامل، ثم النظر في تقديم لغة ثانية.خامسًا: بالنسبة لموضوع الصراخ فأرجو التأكد من قدرات الطفل السمعية ووظائف الأذن الوسطى؛ لأن أي مشاكل بالأذن تؤدي إلى مشاكل سلوكية، إضافة إلى التأخر النطقي واللغوي. أما إذا لم يكن هناك مشاكل بالأذنين، فهناك العديد من الأسباب التي قد تكون وراء هذا الصراخ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: عدم اختلاط الطفل بآخرين (الوحدة)، وهو ما يؤدي إلى رغبته في ممارسة "الحديث"، ولكنه لا يعرف الطريقة السليمة لذلك، أو كوسيلة للفت الانتباه، أو لوجود مشاكل صحية أخرى غير ظاهرة. وهنا يمكنك الحديث مع طفلك بحنان وسؤاله بطريقة مبسطة، ومساعدته على شرح ما يريد قوله بطريقته الخاصة: (مثل: لماذا تصرخ.. هل هناك شيء يؤلمك؟ –هل تشعر بوجع في الرأس؟ – هل أسنانك تؤلمك؟… إلخ). ويمكنك أيضًا مراقبة الوقت أو المناسبات التي يحدث بها هذا الصراخ (مثل أثناء انشغالك مع أخته أو بأعمال المنزل أو عند سماعه لأصوات معينة تزعجه). وعلى كل الأحوال أرجو مراقبة الطفل لفترة لا تزيد عن ستة أشهر فإذا استمر هذا السلوك (بعد التأكد من عدم وجود مشاكل مما سبق ذكره)، فأؤكد على ضرورة مراجعة اختصاصي نطق ولغة واختصاصي نفسي إذا توفر ذلك في مكان إقامتكم.