الأحفاد في الشتات !

إشكاليّة الهوّية
اعترفإن ما حفزني الإسراع بإكمال هذا " الموضوع " ، قراءتي للرواية الممتازة " الحفيدةالأمريكية " التي صدرت قبل أشهر ، وكانت قد أهدتها لي مؤلفتها الكاتبة المبدعةالسيدة إنعام كجه جي ، وستكون لي جولة نقدية وتحليلية قريبا في عالم روايتهاالجديدة التي شغفت بموضوعها وأسلوبها ومغامرة صاحبتها في معالجة بعض تناقضات صعبةأفرزتها الحياة العراقية الحديثة ، وخصوصا في النصف الثاني من القرن العشرين ، فلقدانتهكت تلك " الحياة " انتهاكات لا أول لها ولا آخر .. وكثيرا ما أتأمّل حالاتالهروب الجماعي ، والاستئصال السياسي ، والهجرات المتوالية للعراقيين في دياسبوراالعالم كله . وكان العراقيون وما زالوا يدفعون أثمانا باهظة من تلك الحلاقة البشريةللمجتمع العراقي الذي كيف كّنا سنتخيله اليوم ، وهو لم يزل ثابت في أرضه ، ينتج علىترابه ، منغرس في بيئته، وهو سعيد يملؤه الحبور بتقدمه وتحضّره وما قدمه للعراقومساهمته في البناء من خلال العراق للبشرية قاطبة ؟؟ تخيلوا معي ماذا لو بقيت تلكالملايين على ترابها العراقي منذ خمسين سنة حتى يومنا هذا ؟ أنها ملايين منالمهاجرين والمطاردين والنازحين والمهّجرين والمنفيين والشاردين والمغادرين سرّا ،أو الهاربين قسرا بفعل ما مرّ على العراق من فواجع ونكبات لا يمكن تصورها ، وكماسيصعق أبناء المستقبل في التعّرف على الحقائق التي لم تزل مخفية ، ولم يعلم بهاأغلب العراقيين الذين لا يعرفون الا ما ظهر على السطح ، فما خفي من مأساتهم ، كانأعظم . دعوني أثير معالجا إشكاليتين اثنتين ، أولاهما تتعلق بالهوية ، وثانيتهماتتعلق بازدواجية الانتماء ..  هل من دراسات علمية؟
إنّا بأمس الحاجة إلى دراسة حياة جالياتنا كلها في جميع شتاتالأرض.. بل وينبغي معالجة هذا النزيف البشري الخطير الذي أصاب مجتمعاتنا في عمومأهم بلدان الشرق الأوسط .. وإذا كنّا على دراية شبه تامة بالأسباب والدوافع التيكانت وراء هجرة الآلاف المؤلفة من الآباء والأجداد نحو مناطق مختلفة من العالم ،فنحن بأمس الحاجة اليوم ، إلى إدراك نتائج ومصائر أولئك الناس الذين يعيشون اليومجملة مشكلات ، وأزمات ، وتباينات في العلاقة بين الماضي والمستقبل ، واختفاء هوية،وازدواجية انتماء، وهوس ثقافة. وهنا، أتأمل دوما بما ستؤول اليه مصائر تلك " الجاليات " ، وأشير إلى أن جاليات عربية كانت قد نزحت من لبنان واليمن والجزائر منذالنصف الثاني من القرن التاسع عشر نحو أوروبا والأمريكتين .. وقد اضمحلت اليوم،واختفى الأحفاد في خضم مجتمعات غريبة . هكذا، فان مصير الأحفاد الجدد اليوم سيكوننفسه ذلك الذي حاق بمن مضى من الأحفاد، وخصوصا من العراق وفلسطين ولبنان وسورياومصر والمغرب والجزائر وتونس .

إنني أرى ، انه بالقدر الذي يمكننا معرفة ماسيؤول إليه مصير الأحفاد ، وخصوصا في هويتهم وثقافتهم ، إذ أنهم سيفقدون انتماءهملا محالة في الشتات ، فلابد من المطالبة بمعرفة ما يدور في عقلية ، وتمنيات ،وأفكار الأحفاد في بلداننا بالداخل ، إذ أن ثمة موجات عارمة من التمرد الاجتماعيوالثقافي والسياسي في مجتمعاتنا بالضدّ منها ، وان هناك ، رغبة كبرى لدى الشباب فيالهجرة الخارجية ، وعدم الاكتفاء بالهجرة الداخلية بين بلدان المنطقة! إن ظاهرةالتمرد الداخلي لابد من إيجاد حلول ومعالجات لها من قبل الحكومات والقوى الاجتماعيةوالإعلامية المتآلفة معها، لدرء الأخطار القادمة. إن المشكلة لم تعد سياسية فحسب،ولا اقتصادية أيضا ، بل إن ثمة أسبابا اجتماعية قاهرة ومقيتة كالتفرقة العنصرية ،والاختلافات الدينية ، والتمايزات الطائفية ، وصراعات القوى المحلية والطبقيةوالطفيلية.. الخ كدوافع حقيقية في الهجرة والانطلاق نحو المجهول.
 1/ أشكالية الهوية
ان العراقيين ، ليس كما يتصورالبعض ، قد تشكّلت هويتهم العراقية مع تأسيس الدولة عام 1921 ، ولكنها كانت مغروسةفيهم منذ أزمان طوال ، ربما تبلورت الهوية الوطنية عند بدايات القرن العشرين ، ولكنهويتهم الحضارية والمدينية لها رسوخ في التاريخ ، ولا يمكن إنكارها بجرة قلم ، كمايفعل بعض الذين لم يدركوا مغزى ما عبّرت عنه أدبيات العراقيين ومواقفهم وأساليبحياتهم في القرون الأخيرة . اليوم ، الهوية العراقية والهوية الوطنية في أزمة سواءفي دواخل البلاد ام في الشتات .. هناك صراعات متنوعة بين الآباء والأبناء والأحفادحول طبيعة هذه الهوية ( ليس الوطنية ) بل تلك العراقية الحضارية التي ما انفصلتيوما ! وهناك صراع من نوع آخر بين من هو في دواخل العراق أم أولئك العراقيين الذينيتوزعون في شتات العالم .. ان الهوية العراقية : شعور ونزوع او تصوير حمل هويةعراقية عرفت بخصوصياتها من التقاليد والأعراف والأساليب والقيم والمدارك المشتركةوالتي تستحوذ على ضمير كل عراقي حقيقي من العراقيين .2/ التشظيات .. بداية الاختفاء
إن العراقيين قد تشتتوافي بيئات متنوعة من العالم ، وأصبح الأولاد والأحفاد يحملون ما تبقى لديهم من نزوععراقي خليط من تنوع ثقافي ، كل في البيئة التي نما وعاش فيها ، فضلا عن أن التشتتالثقافي الذي يعيشه العراقيون من جيل الآباء والأجداد ، فلا يمكن جمعه من جديد ابدأ، فكيف بأبنائهم وأحفادهم ؟ أما الأبناء والأحفاد في داخل العراق ، فهم يعيشونانتماءات مختلفة لتشظيات لا حصر لها .. إن الخروج من أزمان مختنقة جعلتهم يعيشونحتى الآن تشظيات لا حصر لها ، بعيدا جدا عن القيم العراقية التي توارثها العراقيونأبا عن جد . ولكننا نشهد، انتقالا فاضحا لما تعيشه كل جالياتنا التي يجعلها الحنينوازدواجية الانتماء تقود إلى الفراغ، أو يقودها إلى الرفض.. أما يرفض انتمائهالأول، ويصبح جزءا من أجزاء الثقافات الجديدة التي تغزو العالم اليوم، أو أن يبقىمزدوج التفكير بين ثقافتين، ولا يعرف ماذا يريد، ولكنه يصر على هوية دينية أوطائفية أو وطنية.. وقد يعبر عن ذلك تعبيرا هادئا أو ينخرط ليغدو واحدا من المتمردينالذين يقبلون بفعل أي عمل مضاد للغرب . إن جيل اليوم من العراقيين الجدد يعيشاغترابا في زمنين مختلفين ، ومكانين متباينين، زمن راحل وزمن حاضر.. وعراق داخلوعراقات في الخارج .. ربما لا تحتمل الازدواجية ، بل تتفوق على ذلك كثيرا مع جملةهائلة من التناقضات الراسخة في التربويات ومع الأهواء وما يدور في العقل وما يعتملفي الضمير مع انقسام داخلي وخارجي طائفي أولا ، وديني ثانيا ، وقومي ثالثا ، إزاءتكوين تربوي وثقافي وإعلامي وقانوني غربي يختلف اختلافا جوهريا عن كل حياتنا التينحياها في أوطاننا الأم .
 3/الوطنية الحقيقية امالكاذبة ؟
إننا نتعامل ، اليوم ، مع عراقيين من شتى الملل والنحل،وكل واحد منها ، عالم بحد ذاته يحاول أن يجذب الآخر إليه، وعالم يريد العزلة، وعالميطمح للانفصال، وعالم متقّيح بكل ما يحمله من أحقاد وكراهية للآخر .. وعالم آخريشعر بالانسحاق دوما ويريد أي تعاطف معه.. وذاك عالما يشعر أن الجميع يستأصله ، وهومتشبث بكنائسه وأرضه ووجوده بالرغم من كل ما استنزفه . إن مشكلة الانتماء للعراق،تبدو في بعض الأحيان موضوعا اسميا لهوية يريد أن يمتلكها كل طرف على حساب الطرفالآخر، والكل يشعر أن العراق بكل خصبه، وذاكرته، وتراثه وطيب الحياة فيه هو العالمالذي ينبغي أن يندمج الجميع فيه. السؤال الآن: هل هناك من أسباب تدعو للانفصال عنهليس من الناحية العملية، بل من الناحية النظرية على الأقل ؟
 4/ اقتلاع الجذور القديمة وتطعيم الاغصانالجديدة
إنني كثيرا، ما أشبه حالة الأحفاد كونهم قد اقتلعت جذورهم ،وطعّموا ليكونوا أغصانا جديدة لمجتمعات أخرى .. أمامنا تطغى نماذج مختلفة من تشتتانتماء العراقيين ، وتشظّي الأبناء والأحفاد .. ربما لا يتألم الآباء والأجداد ،وهم لا يفكرون إلا بالخلاص من جحيم العراق ، ولكن سينتابهم القلق الكبير إن فكّروابما سيؤول إليه مصير أبناءهم وأحفادهم ، وقد زرعوا نبتا مختلفا في مجتمعات أخرىيندمجون فيها على مهل ! ثمة آباء قد فرحوا بما صنعوه ، كون العراق قد أصابهم فيالصميم ، ولكنهم غير منفصمين ، ولا بمنفصلين ، عن انتماءاتهم العراقية .. وثمة منيفكّر دوما بالماضي ، ويسترجع ذاكرته بينه وبين زوجه ، أو من أبناء جيله ، فالجيلالجديد لا يكترث أبدا بحكايات الآباء والأجداد ، بل وان علاقته بالعراق هي علاقةروحية يّعوض من خلالها النقص الذي يشعر به أبناء كل جالية في أي بقعة من الأرض . إنالأبناء والأحفاد لكل العراقيين سيبقون أبناء جالية ( أو : جاليات ) لحين من الزمن، ومن ثم تجدهم ، وقد اندمج أبناؤهم وأحفادهم في المجتمعات التي التجئوا إليها أوهاجروا نحوها ، وانفصلوا تماما عن أرضهم وهويتهم وما تبقى من انتماءاتهم العراقية .. وهو أهم نموذج لبقية الجاليات الأخرىفي المنطقة. إن البعض من قصار الرؤيةسيتفلسف ويثرثر طويلا كونه يرى نفسه في أبنائه وأحفاده، لكنه لا يدرك حجم المأساةبعد مائة سنة من اليوم مثلا !
ازدواجية الانتماء : المعنى العراقي .

لقد أدركت من غير أي سؤال ، أن مضمون أية دراسة علمية ، سيتركز على أوضاع جيل عراقي توزعت سايكلوجيته بين عالمين اثنين ، أو قل ، ثقافتين مضادتين : ثقافة عراقية ترّبى أي عراقي عليها في سنوات تكوينه الأولى في العراق ، ولازمته مع أهله في بيته ، ومع معلميه ، وأصدقائه في مدرسته .. وثقافة غربية ( قسرية له ) ، وجدها بعد هجرته ، أو هروبه ، أو نزوحه في فضاءاته الجديدة ، سواء في أوربا ،أم أمريكا ، أم استراليا ، أم نيوزيلندا وأماكن وبيئات أخرى.. وستكون لسايكلوجيته إرهاصات من أنواع أخرى إن عاش في بلدان آسيوية أو إقليمية أو عربية . وغدا هذا " الجيل " المغترب يعيش " ازدواجية “، أو قل، " ثنائية " راسخة في تربيته ووجدانه.. بين تكوينه الأول ونضوجه الثاني .. بين ذكرياته الأولى التي تحمل كل المعاني مهما كانت قساوتها ، وبين ثقافته الجديدة التي تحمل كل التشيؤات مهما كان نضوجها . إننا نجد ازدواجية الانتماء، في كل مكان ولدى أي نوع من البشر، فتتصادم تقاليده المشّبع بها بغيرها من الثقافات الغريبة عنه ، بل وتبقى تقاليده وطقوسه هي المسيطرة على وجدانه بكل أشكالها ومضامينها التي سحبها معه من دواخل أي مجتمع أتى منه ، ليتشكّل صراع داخلي عنده ضد المجتمعات التي احتوته ، بين عهد وآخر ، وكلها تترجم نفسها في بيته وبيئته فينعزل الآباء والأجداد عن الأبناء والأحفاد ضمن فضاء ثقافي واحد .. ولكن أن تتنازع الإنسان ثنائية في الانتماء لما هو عراقي شرقي إزاء أمريكي غربي ـ مثلا ـ ، فهذه تجربة سايكلوجية من نوع جديد ، وولادة سوسيولوجية تطفح لأول مرة على سطح التاريخ ، وهي تجديد مفعم بالتحولات المريرة من نوع ما، تعيشها الجاليات في خضم مخاض مأساوي في التاريخ.. إذ يتنافر كل طرف عن الطرف الآخر ، وكما يحدث الصراع ، أي نوع من الصراع في دواخل أي مجتمع في الداخل إزاء الخارج ، كذلك يتنافر كل من الانتماءين في سايكلوجية إنسان واحد سواء يعيش في الشتات ( = الوطن الجديد ) أو جاء يركض لاهثا نحو الوطن الأم ، ( فوجده هو الشتات الجديد ) !6/ ديالكتيك الزمن : ذروة التناقض
هذه باختصار، هي الفلسفة بعيدة المدى، وعميقة البعد ، لمن يفكر في اغتراب ملايين الناس، عن وطنهم، بكل الطرق التي وفرتها الأحداث المأساوية.. إن الرؤية ، التي يحملها الأحفاد العراقيون الذين غدوا ، مثلا ، من الغربيين في بريطانيا ، أم كندا ، أم أمريكا ، أم استراليا ، أم نيوزيلندا .. الخ يتعاملون بغير لغتهم الأم ، وهي وحدها ، حكاية نموذج من ملايين الحكايات التي يتبادلها العراقيون فيما بينهم منذ عشرات السنين .. إن الأحفاد العراقيون ، شاءت الصدف أن تجعلهم في حالة تصادم بين ثقافتين ، أو حالة ديالكتيك بين هويتين .. أو حالة تناقض، بين ذاكرة عراقية، وبين ثقافة غربية.. كلها ، ذلك التصادم وذاك الديالكتيك ( = الجدل ) وصولا إلى ذروة التناقض ، هي بالأحرى عملية صراع ثقافي وسايكلوجي أساسا في بنية كل الأبناء والأحفاد الذين يعيشون حياتهم مزدوجي التفكير ، والهوية ، والثقافة إلى حد ما ! باختصار، أقول هنا، بأن ما وجدوه في مجتمعاتهم الجديدة التي تربوا في أحضانها كان اكبر بكثير من عانوا منه ، أو ما سمعوه ويسمعوه كل يوم عن مواطنهم الأولى التي تعيش جملة مآس لا حدود لها .
 7/الحلم البعيد لن يتحقق بسهولة !
كان كل العراقيين في المهجر ، يرنون إلى تلك " اللحظة التاريخية " التي تجعلهم يحلمون أن يكون العراق بين يوم وليلة كما كان عليه أيام ألف ليلة وليلة ، أو على اقل تقدير ، كما كان عليه في الخمسينيات من القرن العشرين ، مستقرا ، منتجا ، موحدا ، متطورا . نعم ، وكان الإعلام الأمريكي يّصور للعالم أن عصرا جديدا سينفتح أمام العراقيين حيث ( الديمقراطية ) وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والحياة الدستورية.. وبالفعل، برزت للعالم عدة منظمات ومجموعات عراقية، في الداخل والشتات ، واندفع الكثيرون ، ولكن نحو التيه ، وهناك من يستغرب أن هناك حتى يومنا هذا من لم يزل يصفق للفراغ وهو بانتظار أن يغدو حلمه حقيقة قائمة بذاتها .. بالرغم من كل الهزّات والصعقات وحياة الفوضى التي تعج بالعراق ، وفرص التشنيع التي يمارسها العراقيون في ظل الحياة الجديدة باسم الديمقراطية التي لا يدركون أساليبها وتقاليدها أبدا !
 8/ تجسير الهوة بين الداخل والخارج
ربما ينفرد العراقيون فقط عن غيرهم ، أنهم يعيشون التمايز منذ زمن بعيد بين من بقى في وطنه من أبناء الداخل ، وبين ذاك الشارد عن وطنه إلى ارض الشتات . ثمة تمايز تحّول مع مرور الأيام، وبفعل سياسات القمع الداخلية، ومواريث المجتمع السيئة، إلى تأسيس للكره والحقد والبغض والنظرة الحسودة من قبل أبناء الداخل لإخوتهم أبناء الخارج .. كونهم يعيشون حياة مرفهة ووديعة، ولم يعانوا الأمرّين، كالذي يعانيه أبناء الشعب كلهم.. وبالرغم من صواب هذه الرؤية ، إلى حد كبير ، إلا أن ابن الشتات تعّرض ، ولم يزل يتّعرض لمشكلات صعبة جدا لا يدركها أبناء الداخل ، فضلا عن أن أبناء الشتات ، وقفوا وقفات إنسانية ووطنية لا تنسى أيام الحصار الجائر على العراق ، وهي وقفات اجتماعية ، وأخوية ، قوية دللت على أن الروح العراقية لا يمكنها أن تنفصم أبدا لدى جيل الأمس.. اليوم ، تتحمل وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والتعليمية العراقية ، دورها في العمل على تجسير الفجوة بين العراقيين كلهم مع أبنائهم وأحفادهم في الخارج ، كي يساعد على الاندماج بما يخدم المجتمع العراقي بعيدا عن التمزق والتفسخ .
 9/ الاوهام البليدة
لقد كان الأحفاد في الشتات أكثر اندفاعا من آبائهم وأجدادهم في موجات هذا التيار بالخروج من ازدواجية الانتماء إلى أحاديته .. قبل أشهر مضت ، قابلت في تورنتو الكندية مجموعة عربية من رجال عرب كهول السن ، وهم يعيشون أفكارهم المحتقنة ، إذ يريدون بثها في الغرب ، ولما جابهتهم أن أحفادهم سيغدون كنديين حقيقيين مستقبلا بحكم الزمن ، انتفضوا انتفاضة كبيرة واستعاذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فقلت لهم : إنها حقائق أثبتها الزمن على غيركم ، خصوصا وإنكم تتمتعون بالقوانين الكندية اليوم ، ولكنكم ترفضون الواقع وانتم من الهاربين .. وهذه هي محنة المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب خصوصا .. إنهم يتوهمون جعل العالم يمشي حسب مزاجهم وأهوائهم وأفكارهم .. فإذا كنتم قد فشلتم في أوطانكم التي أدرتموها من الأمام إلى الوراء ، فكيف باستطاعتكم تغيير العالم كما تريدون . إن العالم أقوى منكم جميعا، وهو لا يكترث بكم، بل يعّول على أحفادكم في الشتات ! إن مجتمعاتنا في دواخلها ، تتوهم الأخيلة حقائق ، ولكن ليس كمن انتظر طويلا لإصلاح ذات الحال ، والخروج من مأزق الظلم والعنف والحروب والحصارات ، كي يدخل فوهة بشعة، ولكن من نوع آخر ، حيث انسحاق المؤسسات واختفاء الأمن ، وتبلور الانقسامات ، واشتعال الحرب الطائفية ، وانتشار الإرهاب ، وإشاعة التمزقات والتباينات باسم المكونات ، أو الاكثريات والأقليات ..10/ العراقيون .. ضرورة التواصل
أود القول إن هذا " المقال " يمّثل حصيلة قراءات علمية لبعض مشروعات التنمية الاجتماعية التي قمت بالإشراف أو الاطلاع عليها أكاديميا في بعض الجامعات الغربية ، وخصوصا دراسة أوضاع الجاليات العربية في الشتات ، ومن خلال أسئلة لاستطلاعات الرأي ، ومنها الجالية العراقية التي تمّثل نماذجها ، فرادة في تنوع أسباب الهجرة والهروب الجماعي ، أو النزوح واللجوء ألقسري نحو الغرب على امتداد خمسين سنة مضت .. وربما تلاقت الأسباب والنتائج مع ما يعانيه العرب جميعهم وغيرهم من شعوب المنطقة في الشتات. إن التركيز هنا، على الجاليات العراقية ، سيمنح الآخرين ، عدة فرص للدراسة والاستفادة، ولكن من نوع آخر، إذ تبيّن لنا من خلال استطلاع الرأي أن جيل الآباء له شديد الحنين لأرض الوطن، وتقل النسبة كثيرا عند جيل الأبناء. وتكاد تكون هذه " الحالة “، نادرة عند جيل الأحفاد الذي لا يدرك هويته إلا في الحاضنة التي ترّبى فيها.. وهذا أقسى ما سيصل إليه النزيف البشري من مجتمعاتنا ( العربية خصوصا ) والمكبلة بالتناقضات.
وأخيرا : نزيف بشري عن وطن محترق !
إن الأحفاد والأبناء، قد ضاع أملهم في الرجوع والعودة إلى وطنهم المحترق حتى إن كان الرجوع زيارة قصيرة.. بل وبدأ العراقيون يتدفقون على بلدين عربيين مجاورين كي يمارسوا الضياع، ويتفاقم الأمر كثيرا عندما يصبح النزوح حالة جماعية.. إن متغيرات الحياة الصعبة في أوطاننا، بكل جروحها وقروحها، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين قد خلقت هذا النزيف البشري الذي لا انسداد له ، وخسرت بلادنا العريقة أهم ثروة سكانية من أبنائها ، وكلهم من ذوي القدرات المبدعة ، والمهن الخلاقة ، والكفاءات الرائعة .. فمتى تستقر حياة أوطاننا وتتطور الحياة فيها كي ترجع الطيور إلى أعشاشها .. بدل أن نهدي العالم أولادنا وأحفادنا على امتداد قرن آخر من الزمن ؟؟